محمد متولي الشعراوي
1947
تفسير الشعراوي
استيقظ من نومه ووجد سرادقا قد نصب في الميدان ليلا لوقف ليسأل : ما الحكاية ؟ فما بالنا بواحد فتح عينيه فوجد هذا الكون المنتظم الذي يعطيه أسباب الحياة ؟ ولذلك يجئ في سورة أخرى ليشرح هذه القضية شرحا يجلى لنا قضية الإيمان بالفكر الإنسانى ، فلا ننتظر الواعظ فقط الذي يأتينا بالرسالة والنبوة ليدل على المنهج المراد لمن خلق ، بل يحتم علينا أن نتنبه بالفطرة إلى من خلق ، لأننا قلنا من قبل : لو أن إنسانا وقعت به طائرة في صحراء ، ولم يجد فيها ماء ولا شجرا ولا أناسا ولأنه مجهد غلبه النوم ، فاستيقظ فوجد مائدة عليها أطايب الطعام ، باللّه قبل أن يمد يده لينتفع بها ، ألا يجول فكره فيمن صنع هذه ؟ إن دهشته من الحدث تجعله يفكر فيمن جاء بها قبلما يذوق الطعام ، رغم أنه جوعان ، فكذلك الناس الذين فتحوا عيونهم فوجدوا هذا الكون العجيب ، وبعد ذلك لم يدّع أحد منهم أنه خلقه ، ولو كان أحد قد ادعى أنه خلقه . . لكانت المسألة تسهل ، لكن أحدا لم يدع صنعه . هذا الكون الذي نراه جميعا بانتظامه الرائع ، وقوانينه الثابتة . هل قال أحد : إنني صنعته ؟ لا ، إذن فالذي قال : إنني صنعته تسلم له الدعوة ، حتى يأتي واحد آخر يقول : أنا الذي صنعته . لم يحدث هذا قط برغم وجود الملاحدة والمفترين على اللّه ، ولذلك جاء قوله تعالى : أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ( من الآية 60 سورة النمل ) كأن الحق يقول : إن لم أكن أنا الذي خلقت فمن الذي خلق إذن ؟ ولم يجرؤ أحد على أن ينسب الكون لنفسه ؛ لأن الكفار والملاحدة لا يستطيعون خلق شئ تافه من عدم . ومثال ذلك كوب الماء الذي تركه اللّه ولم يخلقه على الصورة التي هو عليها ، كي يصنعوه ليفهموا أن كل شئ تم بخلقه - سبحانه - كوب الماء هذا شئ تافه أترف الحياة ، وقبل أن تتم صناعة الكوب كنا نشرب ولم يكن هناك شجر يطرح ويثمر أكوابا بل صنعه إنسان أراد أن يترف الحياة ، فإذا كان هذا الشئ الصغير له صانع جال في نواحي علوم شتّى وفي المادة ، ثم نظر إلى الأرض حتى وجد المادة التي عندما تصهر تعطى هذه الشفافية واللمعان ، فجرب في عناصر الأرض فلم يجد إلا الرمل « 1 » .
--> ( 1 ) قيل إن رمل سيناء من أفضل المواد لهذه الصناعة .